ابن تيمية

6

منهاج السنة النبوية

وَلَيْسَ فِي الْخُطَبِ الثَّابِتَةِ عَنْ عَلِيٍّ شَيْءٌ مِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ الْخَمْسَةِ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ إِذَا نُقِلَ عَنْهُ فَهُوَ كَذِبٌ عَلَيْهِ . وَقُدَمَاءُ الْمُعْتَزِلَةِ لَمْ يَكُونُوا يُعَظِّمُونَ عَلِيًّا ، بَلْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَشُكُّ فِي عَدَالَتِهِ ، وَيَقُولُ : قَدْ فَسَقَ عِنْدَ إِحْدَى ( 1 ) الطَّائِفَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا : إِمَّا عَلِيٌّ ، وَإِمَّا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ ، فَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُ ، وَفِي قَبُولِ شَهَادَةِ عَلِيٍّ مُنْفَرِدَةً قَوْلَانِ لَهُمْ . وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ( 2 ) . وَالشِّيعَةُ الْقُدَمَاءُ كُلُّهُمْ كَالْهِشَامَيْنِ ( 3 ) وَغَيْرِهِمَا ، يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ ، وَيُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ ، عَلَى خِلَافِ قَوْلِ مُتَأَخِّرِي الشِّيعَةِ ، بَلْ يُصَرِّحُونَ بِالتَّجْسِيمِ ، وَيُحْكَى عَنْهُمْ فِيهِ شَنَاعَاتٌ ، وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ( 4 ) .

--> ( 1 ) م : عِنْدَ أَحَدِ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . ( 2 ) يَقُولُ ابْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ " أُصُولِ الدِّينِ ، ( ص 290 - 291 ) : وَقَالَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالنَّظَّامُ وَأَكْثَرُ الْقَدَرِيَّةِ : نَتَوَلَّى عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ عَلَى انْفِرَادِهِمْ ، وَنَتَوَلَّى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَأَتْبَاعَهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِمْ ، وَلَكِنْ لَوْ شَهِدَ عَلِيٌّ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَلَوْ شَهِدَ طَلْحَةُ أَوِ الزُّبَيْرُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَلَوْ شَهِدَ عَلِيٌّ مَعَ طَلْحَةَ عَلَى بَاقَةِ بَقْلٍ لَمْ نَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَاسِقٌ ، وَالْفَاسِقُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ " وَانْظُرْ : مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ 2 / 145 . ( 3 ) ن ، س ، ب : كَالْهَاشِمِيِّينَ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ . وَالْمَقْصُودُ : هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ وَهِشَامُ بْنُ سَالِمٍ الْجَوَالِيقِيُّ . ( 4 ) ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ فِي " مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ " 1 / 106 - 109 مَقَالَاتِ الرَّوَافِضِ فِي التَّجْسِيمِ وَقَسَّمَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى سِتِّ فِرَقٍ وَذَكَرَ تَفْصِيلَ أَقْوَالِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ 1 / 109 : " وَقَالُوا فِي التَّوْحِيدِ بِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ . فَأَمَّا أَوَائِلُهُمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ مِنَ التَّشْبِيهِ " . وَتَكَلَّمَ الْأَشْعَرِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ 1 / 114 - 115 عَلَى قَوْلِ الرَّافِضَةِ فِي أَعْمَالِ الْعِبَادِ فَقَالَ : إِنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى فِرْقَةُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ يَقُولُونَ : إِنَّ أَفْعَالَ الْإِنْسَانِ اخْتِيَارٌ لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَاضْطِرَارٌ مِنْ وَجْهٍ . وَكَذَلِكَ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا جَبْرَ ، كَمَا قَالَ الْجَهْمِيُّ ، وَلَا تَفْوِيضَ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ . وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ مِنْهُمْ فَهُمْ " يَزْعُمُونَ أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ . وَهَذَا قَوْلُ قَوْمٍ يَقُولُونَ بِالِاعْتِزَالِ وَالْإِمَامَةِ " .